أبو نصر الفارابي

30

احصاء العلوم

نتيقن فيما نستنبطه أنّا صادفنا فيه الحق ولم نغلط . وإذا رابنا أمر شيء استنبطناه « 1 » ، فيخيل إلينا أنّا قد سهونا عنه ، امتحناه من وقتنا : فإن كان فيه غلط ، شعرنا به ، وأصلحنا موضع الزلل بسهولة . وتلك تكون منازلنا فيما نلتمس تصحيحه عند غيرنا ، فإنّا إنما نصحح الرأي عند غيرنا بمثل [ الآلات والقوانين ] التي تصححه عند أنفسنا ، فإن نازعنا في الحجج والأقاويل التي خاطبناه بها في تصحيح ذلك الرأي لم هذه ، وطالبنا بوجه تصحيحها له ، وكيف صارت تصحح ذلك الرأي دون أن تصحح ضده ، ولم صارت أولى من غيرها بتصحيح ذلك الرأي ؛ قدرنا أن نبين له جميع ذلك . وكذلك إذا أراد غيرنا أن يصحح عندنا رأيا ما ، كان معنا ما نمتحن به أقاويله وحججه التي رام أن يصحح بها ذلك الرأي : فإن كانت في الحقيقة مصححة ، تبين من أي وجه يصحح . فنقبل ما نقبله من ذلك عن علم وبصيرة . وإذا غالط أو غلط تبين من أيّ وجه غالط أو غلط « 2 » . فنزيف ما يدفعه من ذلك عن علم وبصيرة . وإذا جهلنا المنطق كان حالنا في جميع هذه الأشياء بالعكس وعلى الضد . وأعظم من جميع ذلك وأقبحه وأشنعه وأحر به أن يحذر ويتقى هو ما يلحقنا إذا أردنا أن ننظر في الآراء المتضادة . أو نحكم بين المتنازع فيها وفي الأقاويل والحجج التي يأتي بها كل واحد ليصحح رأيه ويزيف رأي خصمه . فإنّا إن جهلنا المنطق لم نقف من حيث نتيقن على

--> ( 1 ) استنبطناه : استنتجناه واستخرجناه ؛ يقال استنبط الماء من البئر : استخرجه منه . ( 2 ) غالط وغلّط : غالط : حاول دفع خصمه إلى الغلط ، وغلّط : اتهمه بالغلط .